سيف الدين الآمدي
194
أبكار الأفكار في أصول الدين
وأما السنة : فقوله - عليه الصلاة والسلام - : « أطعه ولو ضرب بطنك ، أطعه ولو ضرب ظهرك ، أطعه ولو كان عبدا حبشيا » « 1 » . وظاهر ذلك يدل على نفى اعتبار القرشية . وأما المعقول : فهو أن المقصود من الإمام ، إقامة السياسة ، والذبّ عن دار الإسلام ، وحماية حوزتهم ، والقيام بالقوانين الشرعية ، كما تقدم ؛ وذلك يحصل بما سبق من الشروط ؛ فلا حاجة إلى النسب . والجواب : لا نسلم وجود الإجماع على إسقاط اعتبار القرشية ، والرواية عن عمر مختلفة « 2 » ، فقد قيل أنه قال : « لو كان سالم في الأحياء لما شككت أنى كنت أشاوره » وبتقدير أن تكون الرواية على ما ذكروه / فقد قيل إنه كان قرشيا « 3 » . وبتقدير أن لا يكون قرشيا ، فلم يصرح عمر بصلاحيته للإمامة ، فلعله أراد بذلك أنه ما كان يرتاب فيمن يعينه للإمامة ، أو معنى آخر ، ويجب الحمل على ذلك نفيا للتعارض بينه ، وبين الإجماع السابق على اشتراط القرشية . وقوله - صلى الله عليه وسلم - « أطعه ولو ضرب بطنك ، أطعه . . . الحديث ، فمن باب الآحاد « 4 » ؛ فلا يقع في مقابلة الإجماع المتواتر المعلوم وقوعه ضرورة ، وبتقدير القطع بسنده ؛ فليس فيه ما يدل على أنه أراد به الإمام ؛ بل يحتمل أنه أراد به السلطان ، وليس كل سلطان إماما ، وإن كان كل [ إمام ] « 5 » سلطانا ، ويجب الحمل أيضا على ذلك دفعا للمعارضة بينه ، وبين الإجماع السابق . وأما المعقول : فلا يقع في مقابلة الإجماع المقطوع به . كيف وأنه يحتمل أن يكون للقرشية زيادة تأثير في حصول مقاصد الإمامة بسبب غلبة انقياد الناس للقرشي ؛ لعلو نسبه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، على ما جرت به العوائد من زيادة الانقياد للعظماء وبدون القرشية ؛ فلا تحصل تلك الزوائد من المقاصد « 6 » .
--> ( 1 ) ورد بألفاظ مختلفة في صحيح البخاري 8 / 78 ، ومسند الإمام أحمد 4 / 126 وما بعدها ، 5 / 179 . ( 2 ) قارن بما ورد في المغنى في أبواب التوحيد والعدل 20 / 236 . ( 3 ) قارن هذا الرد بما ورد في نهاية الأقدام ص 491 ، وغاية المرام ص 384 . ( 4 ) قارن هذا الردّ بما أورده القاضي عبد الجبار في المغنى 20 / 204 . ( 5 ) ساقط من أ . ( 6 ) قارن هذا الرد بما ذكره صاحب المغنى 20 / 235 ، وانظر مقدمة ابن خلدون ص 195 وما بعدها .